الرئيسية / ثقافة دينية / المشي إلى كربلاء الحسين عليه السلام .. شبهات و ردود / السيد محمد علي الحلو “ره”

المشي إلى كربلاء الحسين عليه السلام .. شبهات و ردود / السيد محمد علي الحلو “ره”

خاص الاجتهاد: المشي إلى كربلاء مما يفعله البعض، وهذا أمر غير مجد، حيث انشغال الناس عن أعمالهم وترك الكثير لانشغالهم دون طائل؛ ولم نجد ما أشار إليه أهل البيت (عليهم السلام) على ذلك في الحث من روایات تكون دليلاً على جوازه بل استحبابه، فضلا عما نراه من خروج النساء في المشي إلى كربلاء وهو أمر يثير الكثير من التساؤلات التي تكون في أذهان الكثير والانتقادات الموجهة لهذه الظاهرة .

والجواب على ذلك:
الشعائر الحسينية كلها مقررة بأدلتها، فبعض منها منصوص عليها، وبعضها نستكشفها بتحرير المناط أو بعناوينها التي تؤول إلى العنوان الاولي الفوقاني العام الحاث على إحياء أمرهم (عليهم السلام) نحو قوله عليه السلام: «أحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا امرنا»..
والأدلة الواردة في إظهار الحزن والتفجع وإقامة العزاء والمشي إلى سيد الشهداء (عليه السلام) صريحة بإرادتهم في إحياء أمرهم بهذا النحو وأمثاله.

وأما ما أشكل أن ذلك غير ضروري حيث ترك الناس أعمالهم وانشغالهم بالمشي وتعطيل مصالح البلد وغيرها كما يحدث في العراق، فأمر لا يستحق الرد لسذاجة طرحه، لكن مقتضى البحث لابد من الإشارة إلى هذا الإشكال الذي يتداوله البعض.

إن النجاح الذي حققته مسيرة المشي إلى كربلاء تفوق كل التصورات، حيث أظهرت هذه المسيرة المليونية ما يلي :

أولا: إمكانية توحيد الأمة بالحسين (عليه السلام) ليكون عنواناً مشتركاً بين الجميع، لذا فإن الجموع التي تزحف إلى کربلاء تختلف في الكثير من الدواعي القومية والإقليمية والسياسية والثقافية والاجتماعية وغيرها، فهي لا يمكن لها أن تجتمع مع هذه الفوارق، ولا يتحقق لها حلم الاجتماع إلا من خلال عنوان ضاغط يضغط كل هذه المتفرقات ليجمعها في عنوانها الحسيني العام.

ثانيا: قدمت المسيرة المليونية الزاحفة إلى كربلاء نموذجاً تاريخياً أعطى للمشهد الكربلائي حضوراً مهماً، حيث الإيثار والتضحية والبذل الذي يقدمه المشاركون يفوق كل التصورات، وتفعيل مشاهد الواقعة من هناك لحضورها في الواقع المعاش الذي تقيمه مواكب خدمة الزائرين وتقديم الخدمات فضلا عن المشاركين أنفسهم.

ثالثا: أعطت مواكب المشي الى كربلاء زخماً إعلامياً مهماً استرعى انتباه العالم الذي أهمل الحالة الشيعية بوجودها وتضحياتها على طول التاريخ، حيث أذعن العالم لهذه الحالة التضحوية النادرة.
وبهذا فإن ضرورة مثل هذه الشعيرة للحصول على مثل هذه المكتسبات باتت حاجة ملحة في خضم التحديات العالمية التي يواجهها شيعة أهل البيت (عليهم السلام) .

الروایات المؤکدة علی استحبابیة المشي لزیارة الحسين (علیه السلام):

بلغت روايات الحث لزيارة الإمام الحسين (عليه السلام) مشيا من الكثرة لا يمكن حصرها ، حتى أن الباحث ليجد نفسه مضطرا إلى ذكر بعضها ليتسنى معرفة مدى اهتمام أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في هذا المضمار، و لنشر إلى بعض هذه الروايات :

۱ : عن علي بن میمون الصائغ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يا علي، زر الحسين (عليه السلام) ولا تدعه ، قال : قلت : ما لمن أتاه من الثواب؟ قال: من أتاه ماشيا كتب الله له بكل خطوة حسنة ومحا عنه سيئة، ورفع له درجة، فإذا أتاه وكّل الله به ملكين يكتبان ما يخرج من فيه من خير ، ولا يكتبان من فيه شر ولا غير ذلك، فإذا انصرف ودّعوه وقالوا: يا ولي الله مغفور لك، أنت من حزب الله وحزب رسوله وحزب أهل بیت رسوله، والله لا ترى النار بعينك أبدا ، ولا تطعمك أبدا (۱).

۲: عن جابر المكفوف عن أبي الصامت، قال : سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) وهو يقول: «من أتى قبر الحسين (عليه السلام) ماشياً كتب الله له بكل خطوة ألف حسنة، ومحا منه ألف سيئة ورفع له ألف درجة (۲)».

۳: عن أبان بن تغلب قال: قال لي جعفر بن محمد (عليه السلام):«یا أبان متى عهدك بقبر الحسين (عليه السلام)، قلت: لا والله يابن رسول الله مالي به عهد منذ حين، قال: سبحان ربي العظيم وبحمده، وأنت من رؤساء الشيعة تترك الحسين (عليه السلام) لا تزوره، من زار الحسين (عليه السلام) كتب الله له بكل خطوة حسنة ومحا عنه بكل خطوة سيئة، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، يا أبان بن تغلب لقد قتل الحسين صلوات الله عليه فهبط على قبره سبعون ألف ملك شعث غير يبكون عليه وینحون.(3)

4: عن قدامة بن مالك، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من أراد زيارة قبر الحسين (عليه السلام) لا أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعةً محصت ذنوبه كما يمحص الثوب في الماء فلا يبقى عليه دنس، ويكتب الله له بكل خطوة حجة، وكل ما رفع قدمه عمرة (۴).

۵ : عن بشير الدهان، قال: قلت لأبي عبد الله “علیه السلام” ربما فاتني الحج فأعرّف عند قبر الحسين (عليه السلام) فقال: «أحسنت یا بشير أيما مؤمن أتى قبر الحسين (عليه السلام) عارفاً بحقه في غير يوم عيد كتب الله له عشرين حجة وعشرين عمرة مبرورات مقبولات ومائة عمرة ومائة غزوة مع نبي مرسل أو إمام عدل، قلت: وكيف لي بمثل الوقف؟ فنظر إلي شبه المغضوب ثم قال: يا بشير إن المؤمن إذا أتى قبر الحسين (عليه السلام) يوم عرفة واغتسل من الفرات ثم توجه إليه كتب الله له بكل خطوة حجة بمناسكها، ولا أعلم إلا قال: وعمرة (۵)».

۶ : عن أبي سعيد قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) في غريفة له وعنده مرازم، فسمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «من أتى قبر الحسين (عليه السلام) ماشيا كتب الله له بكل خطوة وبكل قدم يرفعها ويضعها عتق رقبة من ولد إسماعيل(۶).

۷: عن أبي إسماعيل، عن الحسين بن علي بن ثوير بن أبي فاختة، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): «یا حسين من خرج من منزله يريد زيارة الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) إن كان ماشيا كتب الله له بكل خطوة حسنة، وحط بها عنه سيئة، حتى إذا صار بالحائر كتبه الله من المفلحين، وإذا قضی مناسکه کتبه الله من الفائزين، حتى إذا أراد الانصراف أتاه ملك فقال له : أنا رسول الله، ربك يقرئك السلام ويقول لك: استأنف العمل فقد غفر لك ما مضى(۷)».

۸ : عن بشير الدهان، عن رفاعة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أخبرني أبي: أن من خرج إلى قبر الحسين (عليه السلام) عارفا بحقه غير مستكبر وبلغ الفرات ووقع في الماء وخرج من الماء كان مثل الذي يخرج من الذنوب، وإذا مشى إلى القبر فرفع قدما ووضع الأخرى كتب الله له عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات(۸)».

۹ : عن الحسين بن سعيد، عن جعفر بن محمد (عليه السلام) أنه سئل عن الزائر لقبر الحسين (عليه السلام) فقال: «من اغتسل في الفرات ثم مشى إلى قبر الحسين (عليه السلام) كان له بكل قدم يرفعها ويضعها حجة متقبلة بمناسکها (۹)».

۱۰ : عن عاصم بن حميد، قال: سألت جعفر بن محمد (عليه السلام) عن زيارة قبر الحسين (عليه السلام) قال في حديث: «یا عاصم لا تدع أن تأتيه فإنك كلما أتيته كتب الله لك بكل خطوة تخطوها عشر حسنات ومحا عنك عشر سيئات وكتب لك ثواب شهيد في سبيل الله أريق دمه فإياك أن تفوّت زيارته(۱۰)».

۱۱: عن حماد بن ثابت، عن عبد الله بن الحسن، قال: من زار الحسين (عليه السلام) لا يريد به إلا الله فتفطرت قدماه في ذهابه إليه كان كمن تفطرت قدماه في سبيل الله (۱۱)».

۱۲: عن بشير الدهان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن الرجل ليخرج إلى قبر الحسين (عليه السلام) فله إذا خرج من أهله بأول خطوة مغفرة ذنوبه، ثم لم يزل يقدس بكل خطوة حتى يأتيه، فإذا أتاه ناجاه الله تعالی فقال: عبدي سلني أعطك، ادعني أجبك ، أطلب مني أعطك، سلني حاجة أقضيها لك. قال: وقال أبو عبد الله (عليه السلام): وحق على الله أن يعطي ما بذل (۱۲)».

ولا نريد أن نسترسل في الروايات الواردة في ثواب زیارة الإمام الحسين (عليه السلام) في حال المشي، وما أعد الله تعالی من الثواب لكل خطوة.

شبهات

أما ما يثار من الإشكالات والشبهات في خروج النساء للمشي إلى كربلاء فإنها لا تتعدى عن شبهات يتخيلها البعض أنها مانعة من خروجهن، وبإمعان النظر نجد أن لكل شبهة جوابها الذي لا يغيب عن ذهن أحد من الناس، وإليك بعض هذه الشبهات مع أجوبتها :

الشبهة الأولى :

إن التزاحم والتدافع بين الرجال والنساء المؤدي إلى الاختلاط أحد دواعي المنع.

الجواب :

إن التزاحم والتدافع إذا أخذ إحدى الملاكات المؤدية لمنع النساء من المشي، فلابد أن يترتب هذا الإشكال على مناسك الحج كذلك، إذ نجد أن الحج يحدث فيه من التدافع ما لم يمكن تصوره، واختلاط الرجال بالنساء مما لا ينكره أحد، وأشد ما يحدث عند رمي الجمرات أو عند الطواف أو إلى غير ذلك من المواقف المؤدية إلى الاختلاط والتدافع، فهل يجوز للمستشكل أن يعمم إشكاله إلى مناسك الحج ليكون ذلك سببا في المنع؟ أو معذورية المرأة عن الحج؟

وإذا أشكل بأن المرأة لها أن تستنيب في موارد الاختلاط فلا أحد يقول بكون الازدحام والاختلاط من معذرات المرأة في الاستنابة، بل ملاك الاستنابة العجز وعدم القدرة عن القيام بأداء منسكها من مرض أو عجز أو مانع شرعي كالطاهرة في حال الحيض، فيجوز لها الاستنابة في بعض موارد رفع التكليف للعجز أو عدم القدرة .

وإذا كان الاختلاط سببا في المنع فلابد أن يسري هذا العذر إلى الزيارات الأخرى كالزيارة الشعبانية وزيارة عرفه وزيارة عاشوراء إلى غير ذلك فيعمم المنع إلى سائر المناسبات لسراية ملاكات المنع إلى الموارد الأخرى .

وما سمعنا من بعيد أو قريب أن الزيارات منشأ للفتنه بين الرجال والنساء، غير صحيح بل العكس من ذلك، فحتى الذي في قلبه مرض يصلح الله قلبه لما يراه من أجواء روحانية تبعد عن ذهنه ومخيلته ما قد يتبادر إلى ذهن المستشكل هذه وأمثالها.

الشبهة الثانية :

إن خروج المرأة لا بد أن يكون بإذن زوجها، فإذا لم يرض زوجها فستكون بين أمرين، بين ارتكاب المعصية بمخالفة زوجها أو بين أن تفرض عليه الخروج، وسيكون ذلك مثارة للبغضاء والعداوة والمنافرة بين الزوجين .

الجواب :
إننا لم نجد أحدا منع زوجته من الخروج إلى زيارة الحسين (عليه السلام) إلا لعذر ما، فضلا عن كون أكثر النساء تصاحب أزواجهن في الخروج، ولا غضاضة في ترخيص الزوج لزوجته بالخروج إذا لم يكن هناك عذر شرعي .

الشبهة الثالثة:

إن المرأة تحتاج إلى محرم عند خروجها ، في حين نجد أن بعضهن لا يلتزمن بالخروج مع المحرم، وهذا اشکال يرد على الكثير من النساء.

الجواب:

لم يشترط أحد في خروج المرأة في سفر مصاحبة المحرم لها ، وإلا بعد سفر معصية ، بل لم يشترط أحد خروج المرأة للحج إلا بمحرم ، نعم إلا اذا استلزم الضرر على النفس أو العرض أو المال، فلابد أن يصحبها محرم لدفع موارد الضرر.

الشبهة الرابعة :

إن المرأة لها شأن مهام الأسرة والقيام بمصالح الأولاد من تربية وتهيئة اللوازم البيئية التي يحتاجها الأولاد، وانشغالها بالخروج في المشي سيؤدي إلى تضييع حقوق الأسرة وعدم مراعاة أمرها .

الجواب :
إن ذلك ليس من شؤونها، نعم ما اتفق عليه العرف ألجأها للقيام بشؤون خارجة عن شؤون الزوجية، فضلا عن أننا نعلم أن الأسرة كلها تشتغل بالخروج للمشي إلى الحسين(عليه السلام) في زیارة الأربعين، ولم تحتج الأسرة إلى ما کانت تحتاجه من المرأة في الأيام العادية .

ولكن:
إن هذه الشبهات مما لا يحتاج معها الرد، فهي واهية وغير جديرة بالإجابة، ولكن تنزلاً أجبنا عن ذلك مع مراعاة الأفهام القاصرة الأخرى .

إلا أن الذي يحز في النفس إن اثارة مثل هذه الموارد من الشبهات والشغب على الشعائر الحسينية بمثل ذلك، له دواعيه الأخرى التي تخرج على نطاق البحث، فضلًا عن كون هذه الشعائر لا يوقف مداها مثل هؤلاء، إلا أن ذلك لا يتعدى عن توهين المرأة المؤمنة والمساس بكرامتها، فضلا عن إثارة الإشكالات لدى المخالفين لمثل هذه الشعائر لتكون لهم حجة التشهير والتشنيع! .

الشبهة الخامسة

إن البذل الذي نشاهده اليوم من الطعام أمر غير مسبوق مع وجود الأعداد الهائلة من الفقراء والمحتاجين، وكان من المفترض توجيه مصاديق هذا الإنفاق على القطاعات الواسعة من المحتاجين .

وللأجابه على ذلك :
إن الخلط الذي يقع به هؤلاء الناقدون أمر يدفعهم إلى عدم التفرق بين وجوه الخير المختلفة وبين ما يجب مراعاته من الواجبات في هذا الشأن، فإن المكلف مطالب برعاية الفقراء في أمواله وإنفاقها في وجوهها الشرعية من الحقوق كالخمس والزكاة لتغطية احتياجات المحتاجين، وهو في الوقت نفسه مطالب بمراعاة وجوه الخير كبناء المساجد ودعم شعائر الله تعالی کدعم نفقات المشاريع الخيرية ذات الشأن التبليغي الذي يصب في مصلحة الحركة الإعلامية والتعليمية والتثقيفية وغيرها، وإذا أردنا أن نلغي كل الاعتبارات في وجوه الخير ونوجهها إلى شأن واحد وهو مساعدة الفقراء توقفت لدينا الكثير من المصالح التي اراد الشارع تحقيقها.

الهوامش

(۱) کامل الزيارات: ص۲٥٥.
(۲) نور العين في المشي إلى زيارة الحسين (عليه السلام) ، محمد حسن الاصطهباناتي .
(۳) بحار الأنوار: ج ۹۸ ص۷.
(٤) تهذيب الأحکام: ج٦ ص ٤٤.
(٥) تهذيب الأحکام: ج٦ ص٤٦.
(٦) نور العين في المشي إلى زيارة الحسين عليه السلام.
(٧) تهذیب الأحکام: ج٦ ص٤٣.
(٨) الوافي: ج ۸ ص ١٤٨.
(٩) تهذیب الأحکام: ج٦ ص ٥٣.
(١٠) نور العين في المشي إلى زيارة الحسين (ع): ١٥٦.
(١١) ن. م : ۱٥.
(١٢) بحار الأنوار: ج ۹۸ ص۲٤.

المصدر: كتاب من النقد إلى الرد … نقد الشعائر الحسينية إلى أين؟!! بقلم : السيد محمد علي الحلو

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com